غناوة العلم فن وإبداع
الجزء الثاني
بقلم بدرية الأشهب
استكمالاً لما سبق في الجزء الأول :
( الغناي ) يجعل من العين كائناً مستقلاً حيث يقول:
( وعاني نقيط ادموع . . . جرة العين ياما باكيه )
بمعني إنه استيقظ فزعاً من الدمع الذي كان يتساقط ( نقيط ) أي ينزل على شكل قطرات ويتساءل ( جرة ) أي هناك اثر لبكاء العين مدة طويلة وكأن العين شي منفصل عنه ليذهب بك إلى تخيل الصورة المبدعة ، ويعود ( الغناي ) بنا مرة آخرى للمرأة الجميلة التي تبحث عن رفيق لها وسط الناس.
( اتلوج بالنظر في الدوج . . . لها رفيق عيني فاقدة )
وكلمة ( اتلوج ) بمعني تلج أي تدخل بالنظر وسط كل الأماكن المكتظة بالناس المتحركة ( الدوج ) بكل اتجاه فتلج بينهم تبحث عن ذلك الرفيق الذي يجعل غيابه حالة من الحزن والفراغ الشديدين .
وأحيانا آخرى تجد شاعر ( غناوة العلم ) يجعل من العقل – واليأس – والرجاء رجالاً أقوياء البأس ، والعقل الذي دائماً ما يكون زاجراً للعين ويضع الأمور في نصابها الصحيح ، واليأس ذلك المتلصص المتعجرف والمتسلط الذي يقطع الرجاء كالسكين ، والرجاء الساعي إلى وصل ما يقوم اليأس بقطعه فيقول ( الغناي ) :
( انهوا العقل ياك يريض . . . إلا العين مافيها عزا )
يقول ان العقل يقبل الرأي والنصح يتجاوب مع كل الأمور المنطقية فهو يعود إلى صوابه مجرد أن يقتنع بالرأي .
وكلمة ( انهوا ) أي قدموا له النصح والإرشاد حتى ولو بالزجر القاسي ، وكلمة ( يريض ) اي يعدل عن رأيه وقراره ، اما العين فتلك حكاية آخرى فإصرارها واقتناعها بما تفعل عائق أمام ردعها والأمر محسوم بالنسبة لها ، ( ما فيها عزا ) لا فائدة على الإطلاق ، العقل هنا رجل يمكن ان يصلح الخطأ بمجرد معرفته والإشارة إليه ، أما اليأس فذلك المفسد الكبير الذي يبحث عن أي مدخل لإفساد كل الأمور .
( يباوع معاه الياس . . . الفاهق اللّي فيه الرجاء )
كلمة ( يباوع ) أي ينظر متلصصاً من خلال فتحـة صغـيرة توجد في بيت الشَعر وتعـرف شعبياً ( بالفاهق ) واحياناً يقال ( الفاهق ) عندما يشعر الإنسان بفراغ في جوفه نتيجة الحزن الشديد يقال ( فلان دايرلي فاهق ) وهو تعبير مزاجي .
اليأس يظهر من خلال فتحة صغيرة للأمل ، مهدداً متوعداً بالدخول من خلال هذا المكان الصغير الذي لا يوجد سواه منفذا للرجاء والأمل ، الرجاء هو ذلك الودود الذي يصل الأمل بأداة التنفيذ للوصول إلي الغاية المنشودة وهو الذي يمنح العين والقلب الراحة والاطمئنان .
( الصابر ينال الخير . . . لبارح منامي قالها )
أي حضر الرجاء بالأمل في الحلم ليمنح القلب والعين الراحة والفرحة .
شاعر ( غناوة العلم ) قادر بمهارة فائقة وبقدرة إبداعية
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ